وضع الموظف الأمين رسالة على مكتب مديره العام، تتضمن قرائن وأدلة على سرقات يقوم بها بعض مديري الأقسام والإدارات، وغادره مطمئنا إلى أنه فعل ما تحتم عليه أمانته ويلبي مسؤوليته ويرضي به ضميره، جاء إلى العمل في اليوم التالي فوجد على مكتبه خطابا مغلقا يحمل اسمه مرسلا من مكتب المدير العام، ظنه خطاب شكر أو ترقية أو مكافأة مالية على أمانته، فوجد أنه قرار فصله من العمل !!
ظل للحظات يعيد قراءة الورقة لعل مضمونها يتغير أو يتمكن من جمع شتات تفكيره ليستوعب مضمونها، ثم أخذ يجمع مقتنياته الشخصية من أدراج مكتبه، كانت يداه تعملان منفصلة عن عقله، الأولى تجمع المقتنيات والأخرى تحاول أن ترسم صورة واضحة لشعار الأمانة والمسؤولية الذي يزين مدخل إدارته ويردده مديره في خطبه، وظن أنه بتصرفه يجسده ويترجم معانيه ليرتقي به إلى المعالي فإذا به يلقيه إلى الشارع !!
أدرك سريعا أنه ذهب ضحية استقامته، لم يشعر بالندم، فقد كان بإمكانه أن يجعل من هذه الاستقامة قربانا للصعود مع الصاعدين على ركام القيم الأخلاقية، لكنه لم يكن ممن يحطمون ذاتهم ليجعلوا منها ركاما يرتقون عليه إلى حيث لا قيمة للإنسان بلا شرف ولا أخلاق؛ مهما بلغت الثروة وزادت النفوذ وارتفع المنصب، فالمال الحرام جمرة تحترق والنفوذ زائلة والمنصب لا يدوم لأحد !!
ما أقسى هذه الحياة حينما تكون أحيانا مقلوبة يرتقي فيها اللصوص ويهوي فيها الشرفاء، ينال فيها الفاشلون أعلى الدرجات ويهبط سلالمها الناجحون !!